يحيى بن زياد الفراء

15

معاني القرآن

إلا في مثل هذا . فلو قال قائل : قد خسر عبدك ؛ لم يجز ذلك ، ( إن كنت ) « 1 » تريد أن تجعل العبد تجارة يربح فيه أو يوضع « 2 » ؛ لأنه قد يكون العبد تاجرا فيربح أو يوضع ، فلا يعلم معناه إذا ربح هو من معناه إذا كان متجورا فيه . فلو قال قائل : قد ربحت دراهمك ودنانيرك ، وخسر بزّك ورقيقك ؛ كان جائزا لدلالة بعضه على بعض . وقوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . . ( 17 ) فإنما ضرب المثل - واللّه أعلم - للفعل لا لأعيان الرجال ، وإنما هو مثل للنفاق ؛ فقال : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ؛ ولم يقل : الذين استوقدوا . وهو كما قال اللّه : « تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ » « 3 » . وقوله : « ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ » « 4 » فالمعنى - واللّه أعلم - : إلا كبعث نفس واحدة ؛ ولو كان التشبيه للرجال لكان مجموعا « 5 » كما قال : « كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ » « 6 » أراد القيم « 7 » والأجسام ، وقال : « كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ » « 8 » فكان مجموعا إذ « 9 » أراد تشبيه أعيان الرجال ؛ فأجر الكلام على هذا . وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحّدا في شعر فأجر الكلام على هذا . وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحّدا في شعر فأجزه . وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو « 10 » أيضا يراد به الفعل فأجزه ؛ كقولك : ما فعلك إلا كفعل الحمير ، وما أفعالكم إلا كفعل الذّئب ؛ فابن على « 11 » هذا ، ثم تلقى الفعل فتقول : ما فعلك إلا كالحمير وكالذّئب . وإنما قال اللّه عزّ وجلّ : « ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ » لأن المعنى ذهب إلى المنافقين فجمع لذلك . ولو وحّد لكان صوابا ؛ كقوله : « إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ . طَعامُ الْأَثِيمِ .

--> ( 1 ) في الأصول : « وإن كنت » وما أثبتناه أوفق . ( 2 ) أوضع في تجارته ( بضم الهمزة ) ، ووضع ( كعنى وكوجل ) خسر فيها . وفي ج ، ش : « تربح وتوضع » . ( 3 ) آية 19 سورة الأحزاب . ( 4 ) آية 28 سورة لقمان . ( 5 ) العبارة في ج ، ش : « ولو كان التشبيه للرجال أراه لكان مجموعا . . . إلخ » . ( 6 ) آية 4 سورة المنافقون . ( 7 ) القيم ( جمع قامة أو قيمة ) : وهي قوام الإنسان وقدّه وحسن طوله . ( 8 ) آية 7 سورة الحاقة . ( 9 ) في الأصول : « إذا » والمقام للتعليل . ( 10 ) كذا في الأصول . والأنسب : « وهو » . ( 11 ) في ج ، ش : « هذين » .